الإثنين , يونيو 17 2019
الرئيسية / كُتّاب وآراء / متاهات البلوكاج الحكومي

متاهات البلوكاج الحكومي

sans-titre-1

متاهات البلوكاج الحكومي
عندما تم  تكليف عبد الإله بنكيران لتشكيل الحكومة الجديدة أياما قليلة بعد الإعلان عن نتائج الإنتخابات التشريعية التي عرفها المغرب يوم 07 أكتوبر الماضي، بدا واضحا أن حزب العدالة والتنمية سيجد كل الظروف مواتية للنجاح في مهمته، وخصوصا عندما أعلن كل من حزبي الإستقلال والإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية إستعدادهما للمشاركة في التحالف الحكومي المنتظر بالإضافة إلى حزب التقدم والإشتراكية ( حليفه الرئيسي). حينها كان بنكيران يملك بمنطق الحسابات أغلبية برلمانية ب 203 من المقاعد. لكن، وعوض التفاوض مع هذه الأحزاب من أجل تقريب وجهات النظر، والوصول إلى الإتفاق على برنامج مشترك لتشكيل الحكومة الجديدة، كان الهاجس الأول لرئيس الحكومة المعين يتمثل في عزل البام وإضعاف موقعه في المعارضة، فاختار اتباع استراتيجية براغماتية غلفها برداء أخلاقي عندما قرر الإنفتاح على حزبي الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار، وذلك من منطلق أنهما شريكان معه في الحكومة المنتهية ولايتها، وأنه ملتزم بالعمل معهما من أجل ما وصفه حزبه في شعار حملته الإنتخابية ب”مواصلة الإصلاح”.
ويبدو أن رهان بنكيران كان خاسرا، فقد فرض الأمين العام الجديد لحزب الحمامة نفسه كطرف قوي في المفاوضات الجارية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة التي وصلت إلى الباب المسدود. وبات المشهد السياسي المغربي موسوما هذه الأيام بلفظة: البلوكاج في انتظار “غودو” الذي قد يأتي أو لا يأتي… فما دلالة هذا البلوكاج؟. وما الذي يمكن أن يحدث إذا استمر حبل الوصال مقطوعا بين بنكيران وأخنوش؟.
في مثل هذه الفترة من السنة الماضية خرج إلى العلن نقاش من نوع آخر كان بطلاه آنذاك أيضا هما بنكيران وأخنوش، وذلك على خلفية أزمة صندوق التنمية القروية  التي أثارها قانون المالية لسنة 2016 الذي منح وزير الفلاحة مهمة الآمر بالصرف بدلا من رئيس الحكومة. وقتها إختار بنكيران الصمت وتخلى عن أحد أدواره الدستورية، لأنه لم يكن مستعدا لإحداث شرخ في الصف الحكومي. والآن يبدو أننا نعيش حلقة جديدة من الخلاف بين الرجلين، لكن الخلاف هذه المرة يضع المشهد السياسي برمته على المحك.
أخنوش الذي وجد مقعد الأمانة العامة للتجمعيين في انتظاره بعد استقالة مزوار لا يمتلك مفاتيح صندوق التنمية القروية فحسب، بل إنه  يمتلك اليوم (أو هكذا يبدو على الأقل) قرار تشكيل الحكومة من عدمه. وهو مجبر على خطب ود حزب لم يتحصل حتى على ثلث عدد المقاعد التي فاز بها البيجيدي. وهذا يعني أن هذا البلوكاج يحمل في حد ذاته رسالة لبنكيران بأن حصول حزبه على 125 مقعدا في الإنتخابات التشريعية لا يعني شيئا، لأن المتحكم الحقيقي في المعادلة السياسية ليس هو صوت الناخب، مادام الحزب الفائز يكون مجبرا دائما على البحث عن تحالفات تخضع لمنطق الإبتزاز وتوزيع المناصب أكثر من أي منطق آخر.
الزعيم الجديد لحزب الحمامة يقدم نفسه كقائد لائتلاف يضم حزبي الحركة الشعبية والإتحاد الدستوري إلى جانب حزبه. وهذه هي الضربة القاصمة التي جعلت حركة بنكيران مشلولة تماما، وذلك بالرغم من أنه يمتلك حتى الآن 183 مقعدا تتكون من مقاعد حزبه (125) والإستقلال (46) والتقدم والإشتراكية (12). أي أنه مازال في حاجة إلى 15 مقعدا آخر للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب لتشكيل الحكومة ( 198 مقعدا). وهذا يعني أنه لا يستطيع أن يعول على حزبي السنبلة والحصان، لأنهما اختارا الإصطفاف بوضوح إلى جانب أخنوش. وسواء كان هذا الموقف مؤسسا على قناعة مشتركة تحاول إحياء  تجربة ما سمي في تسعينيات القرن الماضي ب” أحزاب الوفاق”، وتسعى إلى المشاركة في الحكومة ببرنامج إقتصادي واجتماعي منسجم ومتوافق بشأنه، أو كان مرتبطا بالخضوع لإملاءات أو ضغوطات من جهة ما تريد عرقلة مساعي تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الثابت أن بنكيران أصبح في موقع لا يحسد عليه، لأنه سيكون مضطرا لتقديم تنازلات كبيرة إذا أراد أن يتلقى الضوء الأخضر لتشكيل حكومته.
السيد أخنوش يضع بنكيران في مأزق حقيقي، لأنه لا يكتفي بالتفاوض باسم التحالف الثلاثي فحسب، بل يشترط عليه التخلي عن حزب الإستقلال، ولأن الممارسة  السياسية تقوم على قاعدة براغماتية لا تعترف بوجود أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، فإن خضوع بنكيران لإرادة أخنوش وحزبه وارد جدا في الأيام المقبلة، لذلك قد يكون حزب الميزان ضحية لهذا التجاذب السياسي الحاد، ولن يكون صعبا على بنكيران أن يبرر قراره بالتخلي عن التحالف مع الإستقلال بالقول بأن مصلحة الوطن تقتضي ذلك. وما يعزز من هذا الطرح هو المواقف الأخيرة لحزب الإتحاد الإشتراكي الذي يشترط على بنكيران التعامل معه على أساس وزنه السياسي والتاريخي، وليس وفقا لعدد المقاعد التي فاز بها في اقتراع 07 أكتوبر ( 20 مقعدا). وواضح أن الإتحاديين يرغبون في المشاركة في الحكومة، لكنهم يدركون أن حضور حزب الإستقلال لا يجعل حزبهم فاعلا أساسيا فيها.
السؤال الأساسي الذي يشغل بال المغاربة هذه الأيام هو: ماذا لو فشل بنكيران في مهمته؟. وأغلب الإجابات المطروحة تتحدث عن ثلاثة سيناريوهات ممكنة، وكلها بيد الملك:
– تسمية شخصية جديدة من داخل حزب العدالة والتنمية نفسه لتشكيل الحكومة.
– تعيين رئيس حكومة من البام.
– حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة.
الواقع أن السيناريوهات المذكورة تظل ممكنة، لكني أرجح أن بنكيران سينجح في تشكيل الحكومة الجديدة، لكنه سيكون مضطرا لتقديم تنازلات كبيرة والخضوع لما يصفه شخصيا ب” الابتزاز”. أي أنه سيرأس حكومة يكون فيها حزبه هو الحلقة الأضعف، ويترك الحقائب الوازنة والمؤثرة لحلفائه المحتملين. أما إذا تواصل البلوكاج واستمر عناد بنكيران، فإن السيناريو الأول بين السيناريوهات المذكورة يظل هو الأقرب. وهو ما من شأنه أن يضعف البيجيدي ويؤدي إلى صراع بين أجنحة الحزب. أما الإحتمالان الثاني والثالث فيبدوان بعيدي المنال واقعيا، لأن كلفتهما السياسية والإجتماعية والمادية ستكون كبيرة ونتائجهما غير مضبوطة. وفي كل الأحوال، فإن تجربة البلوكاج هذه تسائل مصداقية الأحزاب السياسية ومدى احترامها لإرادة الناخبين وامتلاكها لاستقلالية القرار، كما تفرض الحاجة إلى إعادة النظر في النظام الإنتخابي المعمول به، والذي يمثل في حد ذاته “بلوكاجا” يحول دون تمكين أي حزب من امتلاك أغلبية برلمانية تسمح له بتشكيل الحكومة بعيدا عن الحسابات والتحالفات الضيقة.
محمد مغوتي. 23 نونبر 2016.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *